محمد أبو زهرة
79
المعجزة الكبرى القرآن
اقرأ قوله تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ [ النحل : 112 ] . وإذا قرأنا ، ورددنا البصر كرتين ، وجدنا كل كلمة في حيزها لا تفارقه ، ولو فارقته لوجدناه فارغا لا يملؤه غيرها ، ولنبتدئ بالإشارة إلى ما في كل كلمة مما اختصت به . الأولى : كلمة آمِنَةً فالأمن معناه عدم الخوف من مغير يغير عليهم ، أو عدو يساورهم ، ولعل ذلك إشارة إلى مكة أو أن هذه القرية هي هي ، كما قال تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 ) [ العنكبوت : 67 ] ، فتجد في هذه الكلمة إشارة إلى نعمة ليست لغيرهم ، واختصوا بها دون الناس أجمعين . الثانية : كلمة مُطْمَئِنَّةً فمعنى الاطمئنان يتصل بالنفس فهي قد منحها اللّه تعالى القرار والسكون والدعة من غير ضعف ، ومع هذه الدعة كان هو يقويها ويثبتها ، مع ما أعطاهم اللّه من سلطان أدبى على العرب ، وهم ملتقى اجتماعهم ومستقر شعائرهم الدينية ومقامهم الكريم الطيب فكل هذا يشع من كلمة مطمئنة . الثالثة : يَأْتِيها رِزْقُها فإن هذا يشير إلى سهولة الحياة . وأنه لا يأتيهم كسائر العرب بانتجاع الكلأ ، والتنقل في الصحراء لا ينالون الحياة إلا بشق الأنفس ، وبذوقهم في طلبهم الرزق حر الحياة وقرها . الرابعة : كلمة ( رغدا ) فالرغد هو الرزق الطيب المذاق المريء غير الوبيء وهو الواسع الكثير ، فهم في رزق يأتيهم سهلا طيبا ، واسعا مريئا لا وباء فيه . ولكنهم كفروا بهذه الأنعم كلها فأي صورة بيانية أروع من هذه الصورة ، وتجد الكلمات الأربع متآخية في معانيها ، متلاقية في ألحانها منسجمة في نغماتها ، وكل كلمة منها تعطى صورة بيانية ، فآمنة فيها صورة البلد الذي لا يساوره عدو في وسط موطن فيه يتخطف الناس ، ومطمئنة يشير إلى الاطمئنان النفسي الساكن القار كالماء الساكن الذي لا تعبث به الرياح . ويأتيها رزقها طيبا من كل مكان ، تشير إلى المكانة التجارية التي يأتيها الخير من كل بلد قاص ودان ، وأن لهم رحلة الشتاء والصيف . وإن مجموع الكلمات مع ما تشعه كل واحدة من معان وصور ، يصور حال جماعة من الناس على هذه الأمور المجتمعة غير المفترقة ، وكلها فيوض من أنعم اللّه تعالى ، ومع ذلك تكفر هذه النعم ، فلا تشكر بل تجحد الحق ولا تؤمن ، وهنا تجىء الصورة الثانية من عقاب ومؤاخذة على ما ارتكبوا من كفر بأنعم اللّه ، ونجد أن كلمة